سيف الدين الآمدي
287
أبكار الأفكار في أصول الدين
قولهم : إن الخوارج كفّرته بتحكيمه للرجال . قلنا : لا نسلم أن ذلك موجب للتكفير ، وقوله تعالى : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ « 1 » لا نسلم العموم في صيغة من وما ، على ما عرف من أصلنا . سلمنا العموم فيها ، ولكن غاية الآية الدلالة على تكفير من لم يحكم بما أنزل الله ، ولم يثبت أن عليا ، لم يحكم بما أنزل الله ؛ بل غايته أنه حكّم ، ولا يلزم من التحكيم الحكم ، ولا عدم الحكم بما لم ينزل الله ؛ ليكون كافرا . قولهم : لا نسلم إجماع الأمة على إمامته . قلنا : دليله ما سبق . قولهم : إن طلحة ، والزبير تخلفا عن بيعته ، وأنهما لم يبايعاه إلا كرها ، ليس كذلك ؛ بل إنما بايعاه طوعا ، وما ذكروه في الدلالة على الكراهية ، فمن أكاذيب كتب السير ، والتواريخ / التي لا ثبت لها عند المحققين « 2 » . قولهم : إنهما قاتلاه ، وخرجا عليه . قلنا : أمكن أن يكون ذلك لا لبطلان إمامته ؛ بل لظنهما أنه كان متمكنا من قتل قتلة عثمان ، ولم يقتلهم ، وظنّا باجتهادهما أن ذلك ممّا يسوغ قتاله ، والخروج عليه ، وهما مخطئان فيه ، ولهذا نقل عنهما ، أنهما تابا عن ذلك قبل قتلهما . قولهم : إن جماعة من سادات الصحابة لم يعاضدوه ، ولم ينصروه كعبد الله بن عمر ، وسعد ، وغيرهما . قلنا : لم يتركوا ذلك ، لاعتقادهم أنه ليس بإمام ؛ بل لأنهم استعفوه من الخروج معه ، لضعف كان بهم ، وعلم عليّ - عليه السلام - ضعفهم عن ذلك ، فأعفاهم منه . وأيضا : فإنهم كانوا مجتهدين ، وقد غلب على ظنونهم جواز التخلف عنه ، خوف الوقوع في الفتنة ؛ لما روى سعد عن النبي - صلى اللّه عليه وسلم - أنه قال : « ستكون فتنة القاعد فيها ، خير من
--> ( 1 ) سورة المائدة 5 / 44 . ( 2 ) قارن ما ورد هاهنا بما ورد في التمهيد للباقلاني ص 231 وما بعدها . والفصل 4 / 157 وما بعدها .